الشيخ محمد الصادقي

154

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ف « لن » تحيل إرساله معهم على أية حال ، فليس نبي اللّه يعقوب بالذي يجعل ابنه متاعا لميرة حتى عند الضرورة ، فضلا عن هدره نفسا ، علما أو ظنا ، ولكنه يرسله على شرط يصرح به « حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ » دون أية إشارة إلى ميرة الأهل وازدياد كيل بعير ببضاعة أو دونها . أتراه كيف يرسله معهم بموثقهم ولا ميثاق لهم كما تبين له من قبل ؟ علّه لما كان يعلمه بتأويل رؤياه : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ » أن يوسف موجود الآن بعزة ، أو أنه هو العزيز ، فبارقة الرؤيا ببارقة النبوة خارقة تخرق حجب الغيب عن يوسف وبعد زهاء العشرين . ثم « الله خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » - « وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ » سياجان على ما قد يحاط به أو بهم ، وهذه الثلاث يصاحبها في هذه السفرة طلب الميرة الضرورية ، مما يرجح له أن يرسله معهم . وترى ما هو « مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ » حيث يعتبره أصلا يحوّل مستحيله : « لن » إلى ممكنه الراجح حيث أرسله ؟ ثم « وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ » دليل أن موثقهم قول يوثق به ، ولا يوثق بقول ما لم يرتبط باللّه من حلف باللّه أو عهد مع اللّه ، ولذلك فالوكيل أيضا هو اللّه ، وثقة يعقوب بموثقهم وقد نقضوه من قبل علهّا لأنهم تحولوا عن حالتهم الأولى إلى الحسنى ، ثم ولم يكن منهم فيها موثق إلّا « إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » كمعاهدة معه لا مع اللّه . وعلى أية حال أصبح واثقا بموثقهم بسائر الوثائق التي تحوطه لحدّ يرسله معهم غير مجازف ولا هارف أو خارف ، وإنما إرسال نبي على بصيرة مما يجوز عما لا يجوز . ولماذا « اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ » دون « شهيد » ؟ علّه لأنه يعني رباط موثقهم باللّه في تحقيقه ، كما نيط باللّه في عقده « فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » .